Carnegie Endowment for International PeaceCarnegie Endowment for International Peace
  • تبرع
{
  "authors": [
    "جورجيو كافييرو",
    "صموئيل راماني"
  ],
  "type": "commentary",
  "blog": "صدى",
  "centerAffiliationAll": "dc",
  "centers": [
    "Carnegie Endowment for International Peace"
  ],
  "englishNewsletterAll": "menaTransitions",
  "nonEnglishNewsletterAll": "",
  "programAffiliation": "MEP",
  "programs": [
    "Middle East"
  ],
  "regions": [
    "الشرق الأوسط",
    "عمان"
  ],
  "topics": [
    "اقتصاد",
    "تجارة",
    "طاقة",
    "الأمن"
  ]
}
Attribution logo

المصدر: Didier Lebrun / Photonews via Getty Images

تعليق
صدى

الدقم عند مفترق الطرق: الميناء الاستراتيجي لعُمان ودوره في رؤية 2040

في شرق أوسط متقلب، يقدم ميناء الدقم العماني الاستقرار والحياد والفرص. هل يمكن أن يصبح هذا الميناء الخفي الملاذ الآمن والأمثل للتجارة العالمية؟

Link Copied
بواسطة جورجيو كافييرو و صموئيل راماني
منشئ 3 مارس 2026

المدونة

صدى

"صدى" نشرة إلكترونية تندرج في صلب برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. تسعى إلى تحفيز وإغناء النقاش عن أبرز الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي، وتقدّم فسحة للمفكرين والكتّاب، الجدد كما المعروفين في مجالاتهم، يتسنّى لهم من خلالها الإضاءة على هذه المواضيع من وجهة نظر تحليلية.

تعرف على المزيد
Program mobile hero image

البرنامج

Middle East

The Middle East Program in Washington combines in-depth regional knowledge with incisive comparative analysis to provide deeply informed recommendations. With expertise in the Gulf, North Africa, Iran, and Israel/Palestine, we examine crosscutting themes of political, economic, and social change in both English and Arabic.

تعرف على المزيد

مقدمة ورؤية ٢٠٤٠: 

جرى تطوير ميناء الدقم في سلطنة عُمان بوصفه مشروعًا تقوده الدولة ليكون موقعًا ذا أهمية استراتيجية نسبية، لكنه لا يزال في طور التشكّل في المحيط الهندي، وهو يعكس خيارًا سياسيًا متعمدًا أكثر من كونه نتاجًا لنمو تجاري تلقائي يهدف إلى تحويل مستوطنة ساحلية نائية إلى منصة صناعية ولوجستية متعددة الأغراض، ويقع الميناء خارج أكثر الممرات البحرية اضطرابًا في الشرق الأوسط، أي مضيقي هرمز وباب المندب، وهو ما يُشار إليه غالبًا باعتباره عامل تقليل نسبي لبعض المخاطر الجغرافية، بالتوازي مع دعمه لأهداف التنويع الاقتصادي الواردة في رؤية عُمان 2040، وبالاستناد إلى الاستثمارات الأجنبية المتنامية، وتوسع البنية التحتية الصناعية، والسياسة الخارجية المتوازنة التي تنتهجها مسقط، بدأ الدقم يندمج تدريجيًا في شبكات التجارة والطاقة والدبلوماسية الإقليمية، غير أن مكانته طويلة الأمد تظل مرهونة باستمرارية التنفيذ السياسي، ومستويات الطلب الخارجي، وثقة المستثمرين، لا بالموقع الجغرافي وحده. 

كما أبرز الهجوم العسكري الأخير الذي شنته إيران على الدقم في خضم الحرب بين الولايات المتحدة وإيران الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للميناء، إذ سلط الضوء على التحديات الأمنية والمرونة النسبية للبنية التحتية العمانية، مما يعزز من دور الدقم كمنصة محايدة جيوسياسيًا لإدارة المخاطر التجارية واللوجستية الإقليمية. 

ومن هنا يبرز سؤال محوري أمام صانعي السياسات والمستثمرين الدوليين على حد سواء: ليس ما إذا كان الدقم قادرًا على إعادة تشكيل أنماط التجارة العالمية، بل ما إذا كان يستطيع العمل كمنصة محايدة جيوسياسيًا تُسهم بصورة محدودة في تعزيز المرونة والتنويع في شرق أوسط شديد التقلب، ولا يزال قادرًا على الصمود في ظل تهديدات عسكرية مباشرة. 

ويعكس بروز الدقم تخطيطًا حكوميًا متعمدًا، لا نموًا تلقائيًا تقوده أنشطة الموانئ، وهو ما يميزه عن العديد من مشروعات البنية التحتية في المنطقة، فمنذ عام ٢٠١١، استثمرت السلطنة بكثافة في تحويل ما كان مستوطنة صيد نائية إلى منطقة صناعية ولوجستية متعددة الأغراض، وتمتد المنطقة على مساحة تعادل ثلاثة أضعاف مساحة سنغافورة، وتدمج تحت إطار تنظيمي واحد ميناءً تجاريًا عميق المياه، ومرافق للأحواض الجافة، وأراضي صناعية، وبنية تحتية للطاقة، ويهدف هذا الدمج المؤسسي إلى الحد من اختلالات التنسيق، لكنه لا يشكل بحد ذاته ضمانًا للجدوى التجارية، أو ثقة المستثمرين، أو الحماية من الصدمات الجيوسياسية، كما أظهر الهجوم الإيراني الأخير أن المخاطر الأمنية المباشرة قد تؤثر على نشاطات وإدارة الميناء إذا لم تُدار بحكمة، كما أن النموذج التنموي القائم على قيادة الدولة قد يقلل من أثر التقلبات السياسية قصيرة الأمد، لكنه يظل عرضة للقيود المالية، وتحديات التنفيذ، وطول الأفق الزمني للعائد الاستثماري.

وجاء الدافع الأول لإنشاء الدقم من إدراك السلطان قابوس للحاجة الملحّة إلى تقليص اعتماد عُمان على النفط والغاز، فعلى الرغم من أن السلطنة لا تزال تنتج نحو مليون برميل نفط يوميًا، وتشكل عائدات الهيدروكربونات قرابة 70% من إيرادات الدولة، فقد دخلت رسميًا مسار التنويع الاقتصادي منذ إطلاق رؤية ٢٠٢٠ عام ١٩٩٥، إلا أن وتيرة التقدم ظلت محدودة على مدى سنوات طويلة، ولم يكتسب مسار الإصلاح زخمًا أوضح إلا بعد تولي السلطان هيثم بن طارق الحكم في عام ٢٠٢٠. 

وفي هذا السياق، جاءت رؤية عُمان ٢٠٤٠ التي أُطلقت عام 2018 بوصفها إطارًا طويل الأمد يهدف إلى تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الهيدروكربونات، مع السعي إلى ترسيخ موقع السلطنة كحلقة وصل اقتصادية محايدة، لا كمركز تجاري مهيمن بين آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وإلى جانب أهدافها الاقتصادية، تنطوي الرؤية على منطق سياسي واضح يتمثل في الحفاظ على استقرار النظام عبر التكيّف المؤسسي لا الانفتاح السياسي إذ تُعلي الرؤية من شأن الكفاءة الإدارية، والانضباط المالي، وبناء قدرات الدولة كوسائل لإدارة التوقعات المجتمعية في مرحلة ما بعد النفط، وبدلًا من توسيع المشاركة السياسية، ركّزت مسقط على إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمواطن من خلال تحسين تقديم الخدمات، وخلق فرص العمل، وتعزيز الحوكمة التكنوقراطية، وفي هذا الإطار، تؤدي مشروعات مثل الدقم وظيفة مزدوجة، فهي أدوات للتنويع الاقتصادي، وفي الوقت نفسه وسائل لتعزيز الشرعية السياسية عبر إبراز القدرة على التخطيط وإدارة المخاطر، والتصدي لتحديات مباشرة مثل الهجمات العسكرية الإقليمية، لا عبر ضمان تحقيق تحوّل اقتصادي شامل.  

الدقم في إطار رؤية عُمان 2040 والربط الإقليمي:

ومع تقدم تنفيذ رؤية عُمان ٢٠٤٠، أصبحت المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم أحد عدة مشاريع ربط وتكامل تبنتها الدولة، لا المشروع المحوري الوحيد، ورغم تزايد عدد السكان المقيمين واتساع نطاق الاستثمارات الأجنبية، تشير المؤشرات المتاحة إلى أن الدقم لا تزال في مرحلة مبكرة من الاندماج ضمن شبكات التجارة في المحيط الهندي، ولا يزال من السابق لأوانه توصيفها كعنصر راسخ في سلاسل التوريد الإقليمية أو العالمية، ومع توظيف عُمان لإرثها التاريخي لإعادة ترسيخ حضورها التجاري في شرق أفريقيا، وتعزيز روابطها الجوية الإقليمية عبر رواندا، يؤدي الدقم دورًا تكميليًا في دعم الطموحات الاقتصادية الخارجية للسلطنة، لا دورًا حاسمًا أو قائداً لها. كما أن توسع عُمان في خطوط النقل الجوي نحو سنغافورة ومساعيها لتوثيق علاقاتها التجارية مع دول جنوب شرق آسيا يستفيد من الترابط البحري الذي يوفره الدقم، لكنه لا يعتمد عليه بصورة مباشرة.

وفي ضوء الهجوم الإيراني الأخير على الدقم خلال الحرب الأمريكية–الإيرانية، أصبح من الواضح أن المخاطر الأمنية المباشرة قد تعرقل الربط الإقليمي وأداء البنية التحتية إذا لم تُدار المخاطر بحكمة، مما يبرز أهمية الأمن وإدارة المخاطر كجزء من تقييم قدرة الدقم على دعم الاستثمارات الأجنبية.

وتسعى عُمان، بالاستفادة من موقعها الجغرافي وما توفره من مرونة سياسية نسبية، إلى استقطاب طيف واسع من الشركاء الدوليين، بدءًا من شركات الطاقة متعددة الجنسيات وصولًا إلى الشركات التكنولوجية الناشئة، غير أن الدقم لا ينبغي فهمه كمقصد استثماري مضمون، بل كتجربة سياسات جارية في التنمية غير النفطية بقيادة الدولة، وهي تجربة لا تزال نتائجها متفاوتة ومرهونة بدرجة عالية باستمرار التنسيق المؤسسي، وفي هذا السياق، فإن نجاح المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم لن يتحدد بفعالية الخطاب الترويجي أو الصورة المؤسسية، بل بـاتساق الأطر التنظيمية، ووضوح قواعد ممارسة الأعمال، وتسلسل تنفيذ البنية التحتية، وقدرة السلطنة على دمج تنمية الدقم ضمن بيئة اقتصادية إقليمية تنافسية. وعليه، يمكن النظر إلى الدقم كدراسة حالة محدودة النطاق في التنويع الاقتصادي البراغماتي المُدار من قبل الدولة في منطقة الخليج، لا كنموذج شامل قابل للاستنساخ.  

ما بعد الشحن: الطموحات القطاعية المتعددة الناشئة للدقم:

رغم أن الدقم يُتناول في كثير من الأحيان بوصفه مشروع ميناء بالدرجة الأولى، فإن المخططين له لطالما قدموه باعتباره منطقة صناعية متعددة القطاعات، لا مجرد مركز شحن بحري، وقد تُرجم هذا الطموح عمليًا إلى تطوير تدريجي لقطاعات الطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية المرتبطة بها بهدف تقليص الاعتماد على حركة الميناء كمؤشر وحيد للنجاح، غير أن المعطيات المتاحة تشير إلى أن هذا التوسع القطاعي لا يزال غير متكافئ، عالي الكلفة الرأسمالية، ومرهونًا بطلب خارجي طويل الأمد أكثر من كونه مدفوعًا بزخم سوقي فوري.

وتُعد الاستثمارات المرتبطة بالطاقة الركيزة الأبرز في استراتيجية الدقم غير البحرية إذ تحتضن المنطقة أكبر مصفاة نفط في السلطنة، ويُنظر إليها كنقطة ارتكاز محتملة للصناعات البتروكيماوية، وتخزين الوقود، والمعالجة الموجهة للتصدير، وفي الآونة الأخيرة، ركّز صانعو السياسات على إمكانات الدقم في مجال إنتاج الهيدروجين الأخضر، استنادًا إلى توفر الأراضي، وقربها من مسارات التصدير، وإمكانات الطاقة المتجددة، إلا أن هذه المبادرات تظل في المرحلة الراهنة مشاريع مستقبلية أكثر منها أنشطة تشغيلية واسعة النطاق، إذ تتوقف جدواها التجارية على تطورات أسعار الهيدروجين عالميًا، ووضوح الأطر التنظيمية في الأسواق المستوردة، وسرعة انخفاض التكاليف التكنولوجية، وعلى غرار مشروعات مماثلة في دول الخليج، يعكس مسار الهيدروجين في الدقم بناء خيارات استراتيجية وإشارات سياسية أكثر مما يعكس تحولًا صناعيًا مضمونًا.  

وقد أظهر الهجوم الإيراني الأخير على الدقم أن المخاطر الأمنية المباشرة يمكن أن تؤثر على القطاعات الصناعية والطاقة والخدمات اللوجستية الناشئة، بما يشير إلى أن إدارة المخاطر والأمن أصبحت عناصر أساسية في نجاح استراتيجية التنويع القطاعي غير البحري.  

كما جرى تحديد قطاعي التصنيع والصناعات الثقيلة كمجالات أولوية، ولا سيما في مجالات الصلب، ومواد البناء، والخدمات الصناعية المرتبطة بإصلاح السفن والطاقة البحرية، وقد أتاحت مرافق الأحواض الجافة للدقم اقتناص حصة محدودة من أنشطة الصيانة والإصلاح الإقليمية، إلا أن هذه الأنشطة لا تزال مكملة وليست محورية، في ظل المنافسة القوية من المراكز الراسخة في الإمارات والسعودية، فضلًا عن القيود المتعلقة بتوافر العمالة وعمق سلاسل التوريد، وبدلًا من إزاحة هذه المراكز، يمكن توصيف الدور الصناعي للدقم بأنه دور إضافي يستوعب جزءًا من الطاقة الفائضة ويخدم فاعلين يسعون إلى تقليل المخاطر. 

وفي موازاة ذلك، شهدت أنشطة التخزين والخدمات اللوجستية تطورًا تدريجيًا، مدعومة بشبكة الطرق التي تربط الدقم بالداخل العُماني وأسواق مجلس التعاون الخليجي، ومع ذلك، لا تزال الروابط البرية للدقم أقل نضجًا من بنيتها التحتية البحرية، ما يحد من قدرتها على العمل كمركز متكامل لإعادة توزيع البضائع، وقد عزز ذلك من تموضع الدقم كموقع منشأ أو مقصد لشحنات متخصصة، لا كمركز لإعادة الشحن عالي الكثافة، وبالنظر إلى هذه المعطيات مجتمعة، يمكن القول إن استراتيجية التنويع في الدقم تتسم بالنهج التراكمي القائم على توزيع المخاطر، حيث تُعطى الأولوية للمرونة وتوسيع هامش الخيارات، لا للتوسع السريع أو الهيمنة السوقية.  

الاعتبارات الجيوسياسية، والحياد، واستثمارات القوى الكبرى: 

لا يمكن فصل تطوير الدقم عن العقيدة التقليدية للسياسة الخارجية العُمانية، القائمة على الحياد، وخفض التصعيد، وبناء علاقات متوازنة مع القوى المتنافسة، وغالبًا ما يُشار إلى هذا النهج الدبلوماسي بوصفه ميزة نسبية للميناء، لا سيما في منطقة تتسم بالصراعات العسكرية وأنظمة العقوبات، غير أن الحياد، في التطبيق العملي، لا ينبغي فهمه كحالة عزل عن الضغوط الجيوسياسية، بل كإستراتيجية حوكمة تتطلب ضبطًا مستمرًا وإنفاذًا دقيقًا. 

ومنذ المراحل الأولى، سعت عُمان إلى استقطاب قاعدة متنوعة من رؤوس الأموال الأجنبية إلى الدقم، شملت مستثمرين من الصين وأوروبا ودول الخليج وجنوب آسيا، وقد حظيت الإعلانات المبكرة بشأن المشاركة الصينية، ولا سيما مشروع المنطقة الصناعية الصينية–العُمانية، باهتمام واسع، إلا أن الفجوة بين التعهدات الاستثمارية الأولية وتدفقات رأس المال المحققة فعليًا تكشف حدود الإشارات السياسية في مشروعات البنية التحتية. فقد جرى تأجيل عدد من المشروعات الصينية أو تقليصها أو إلغاؤها بصمت، لأسباب تجارية بالدرجة الأولى لا دبلوماسية. ويعكس هذا المسار نمطًا أوسع أظهرت فيه السلطنة استعدادًا لتحمل كلفة الفرص الضائعة مقابل الحفاظ على استقلالها التنظيمي وتجنب الارتهان لأي فاعل خارجي واحد.

وقد حكم المنطق ذاته مقاربة عُمان للتعامل مع الجهات الخاضعة للعقوبات، فعلى الرغم من احتفاظ مسقط بقنوات دبلوماسية مع كل من إيران وروسيا، لم يتحول الدقم إلى منصة لتجاوز أنظمة العقوبات الدولية، وتشير التقارير المتعلقة بتشديد إجراءات العناية الواجبة، وفحص الامتثال، واستبعاد الكيانات الخاضعة للعقوبات من الأنشطة المرتبطة بالميناء، إلى أن السلطنة رسمت حدودًا تشغيلية واضحة بين الانفتاح الدبلوماسي والسماح التجاري، ورغم أن هذا النهج قد يحد من تدفقات رأس المال على المدى القصير، فإنه يعزز مصداقية الدقم لدى المستثمرين الغربيين والآسيويين الذين يولون أهمية كبيرة للامتثال وإدارة المخاطر السمعة.  

وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن الأهمية الجيوسياسية للدقم ناتجة عن خيارات تنظيمية وسياسية واعية اتخذتها عُمان، لا عن الطلب الخارجي وحده، وقد جاءت الضربة الإيرانية الأخيرة على الدقم لتؤكد أن هذا الدور الجيوسياسي لم يعد افتراضيًا أو قائمًا على الموقع فقط، بل أصبح مرتبطًا بقدرة السلطنة على إدارة التعرض المباشر للمخاطر دون التخلي عن نهجها المتوازن، فالحياد الذي يتمتع به الميناء ليس صفة ثابتة أو سلبية، بل ممارسة نشطة تتطلب انضباطًا سياسيًا مستدامًا، وقدرة مؤسسية على احتواء الصدمات، ومنع تحولها إلى اصطفافات أمنية أو تجارية قسرية، واستعدادًا لمقايضة بعض فرص التوسع السريع مقابل الحفاظ على الاستقلال الاستراتيجي والمصداقية طويلة الأمد. 

الخاتمة: 

قد لا تحظى الدقم بشهرة واسعة حتى الآن، غير أنها، في منطقة غالبًا ما تُعرَّف بالصراع والتقلب، تمثل محاولة تقودها الدولة لإدارة المخاطر أكثر من كونها قصة نجاح مضمونة، فمن خلال الاستفادة من موقعها خارج مضيقي هرمز وباب المندب، والسياسة الخارجية المتوازنة التي تنتهجها مسقط، والتركيز الذي توليه رؤية عُمان ٢٠٤٠ للتنويع الاقتصادي، تمتلك الدقم قابلية للقيام بدور تكميلي ضمن شبكات التجارة العالمية، لا التحول إلى مركز محوري يعيد تشكيلها، وعليه، لا يتمثل السؤال الجوهري في ما إذا كانت الدقم ستنمو من حيث الحجم، بل في ما إذا كانت قادرة على التأثير بشكل تدريجي في مسارات التجارة خلال فترات التوتر الجيوسياسي، ويتطلب ذلك من عُمان مواصلة دمج الميناء في سلاسل التوريد العالمية عبر ربط قدراته الصناعية والطاقية واللوجستية بـ شراكات طويلة الأمد قائمة على الطلب التجاري الفعلي لا على الطموح الاستراتيجي وحده، كما أن إعطاء الأولوية للقطاعات التي تجمع بين الجدوى الاقتصادية والأهمية الاستراتيجية، مثل الهيدروجين الأخضر، والمدخلات الصناعية منخفضة الكربون، وممرات الشحن القادرة على الصمود، قد يعزز دور الدقم لدى فئات محددة من المستخدمين دون تحميل الدولة أعباء تفوق قدراتها المؤسسية. 

وفي الوقت نفسه، تسهم المكانة الدبلوماسية لعُمان وتوجهها القائم على “الصداقة مع الجميع” في توفير قدر من الاستقرار التشغيلي خلال الأزمات الإقليمية، غير أن هذا الاستقرار يُدار سياسيًا ولا يُعد مضمونًا بنيويًا، ومن خلال الجمع بين الصبر الاستراتيجي، والانفتاح الاستثماري متعدد الأقطاب، والحوكمة التكنوقراطية، يمكن للدقم أن تدعم إستراتيجية السلطنة الأوسع لإدارة المخاطر، حتى وإن لم تؤدِّ إلى تغيير هياكل التجارة الإقليمية. ومن هذا المنظور، تتجلى أهمية الدقم لا في حجم البضائع التي تمر عبرها، بل في إبراز كيفية سعي الدول متوسطة الحجم إلى التنويع الاقتصادي مع الحفاظ على استقلالها السياسي في بيئة إقليمية مستقطبة. 

وتشير الأدلة المستقاة من العقد الأول لتشغيل الدقم إلى أنها تتطور لتصبح مركزًا مستدامًا ومحايدًا جيوسياسيًا من حيث الوظيفة، لا من حيث التحول الجذري، ويؤكد تنوع المستثمرين بين أوروبا وآسيا ودول الخليج، إلى جانب غياب هيمنة رأس مال أي قوة كبرى منفردة، أن الدقم قد تجنبت حتى الآن إشكالية الاستحواذ السياسي التي قيّدت مشروعات مماثلة في مناطق أخرى. كما أن التحقق المحدود للتعهدات الاستثمارية الصينية المبكرة، وفرض ضوابط امتثال صارمة على الكيانات الروسية الخاضعة للعقوبات، وغياب النشاط التجاري الإيراني رغم الانفتاح الدبلوماسي، تشير مجتمعة إلى أن عُمان قدّمت الاستقلال التنظيمي والاستراتيجي على حساب التوسع السريع، ويُعد هذا الاستقلال، لا حجم التدفقات أو أرقام الاستثمار المعلنة، الدليل الأكثر مصداقية على قدرة الدقم على الحفاظ على حيادها مع بقائها منفتحة على رأس المال العالمي. 

وفي المقابل، تُظهر المؤشرات المتاحة أن قدرة الدقم على إعادة تشكيل أنماط التجارة العالمية ستظل غير مباشرة ومشروطة ومرتبطة بالسياق الدولي، فبينما لا تزال أحجام البضائع والإنتاج الصناعي محدودة مقارنة بالموانئ الخليجية الراسخة، يشير اندماج الدقم الانتقائي في ممرات الهيدروجين الناشئة، والمبادرات الصناعية منخفضة الكربون، ولوجستيات الطاقة المتنوعة، إلى دور محتمل في إعادة تنظيم القطاعات الحساسة للمخاطر ضمن سلاسل التوريد العالمية، وعمليًا، يُرجح أن تؤثر الدقم في مسارات التجارة خلال فترات التوتر الجيوسياسي المرتفع، من خلال توفير الاستمرارية خارج نقاط الاختناق المتنازع عليها، أكثر من قدرتها على إعادة توجيه هذه المسارات في الظروف المستقرة، وعليه، تدعم الأدلة المتاحة خلاصة محدودة لكنها متماسكة مفادها أن الدقم تسهم في تعزيز المرونة وتوسيع هامش الخيارات داخل بنية التجارة العالمية القائمة، دون إعادة توزيعها أو إعادة تشكيلها على نحو جذري.

عن المؤلفين

جورجيو كافييرو

جورجيو كافيرو هو الرئيس التنفيذي لشركة Gulf State Analytics، وهي شركة استشارية متخصصة في المخاطر الجيوسياسية مقرها واشنطن العاصمة. وهو أيضًا أستاذ مساعد متفرغ في جامعة Georgetown University وزميل متفرغ في مشروع الأمن الأمريكي (American Security Project).

صموئيل راماني

صموئيل راماني هو زميل مشارك في معهد الخدمات المتحدة الملكي (Royal United Services Institute) في لندن، ويشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة Pangea Geopolitical Risk.

المؤلفون

جورجيو كافييرو

جورجيو كافيرو هو الرئيس التنفيذي لشركة Gulf State Analytics، وهي شركة استشارية متخصصة في المخاطر الجيوسياسية مقرها واشنطن العاصمة. وهو أيضًا أستاذ مساعد متفرغ في جامعة Georgetown University وزميل متفرغ في مشروع الأمن الأمريكي (American Security Project).

صموئيل راماني

صموئيل راماني هو زميل مشارك في معهد الخدمات المتحدة الملكي (Royal United Services Institute) في لندن، ويشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة Pangea Geopolitical Risk.

اقتصادتجارةطاقةالأمنالشرق الأوسطعمان

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال صدى

  • تعليق
    صدى
    مهاجرو إفريقيا جنوب الصحراء في المغرب: سؤال الأمان وامتحان الحقوق

    هل تحمي سياسة الهجرة في المغرب مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء، أم تُديرهم بمنطق أمني وسياسي؟ يناقش هذا المقال الثغرات القائمة ويستعرض إمكانيات إدماج أكثر عدلًا وإنصافًا.

      سفيان الكمري

  • تعليق
    صدى
    تآكل صورة العراق كدولة مؤثرة: هل أصبحت الدبلوماسية العراقية رهينة المزاج السياسي للأحزاب المتناحرة؟

    السياسة الخارجية للعراق تدفعها الصراعات الداخلية من نخب منقسمة، مليشيات متنافسة، ودولة عاجزة عن توحيد قرارها. تطرح المقالة أسئلة أساسية: كيف تؤثر هذه الانقسامات على قدرة العراق في موازنة النفوذ الأميركي–الإيراني؟ وهل يمكن لنهج "حُسن الجوار" أن يخفّف التوترات الإقليمية؟ وكيف يستطيع العراق تحويل الشراكات والاستثمارات الإقليمية إلى استقرار فعلي؟ وتقدّم المقالة مسارات للحل، أهمها تعزيز مؤسسات الدولة، الحد من نفوذ المليشيات الخارجة عن السيطرة، تحسين الحوكمة، والاستفادة من الشراكات الإقليمية لمعالجة .الأزمات الاقتصادية والأمنية لبناء سياسة خارجية موحدة وثابتة.

      مايك فلييت

  • تعليق
    صدى
    التجارة الالكترونية وتمكين المرأة السعودية: قراءة في الفرص والإمكانات التشريعية

    كيف يمكن للسعودية أن تحوّل قطاع التجارة الإلكترونية المزدهر إلى محرّك فعلي لتمكين النساء اقتصادياً رغم فجوات التمويل والتدريب الرقمي وممارسات العمل غير الشاملة؟ هذه المقالة تبحث الحلول السياسية، من دمج الشركات النسائية في بنية مراكز البيانات إلى الأطر التنظيمية الحساسة للنوع الاجتماعي التي قد تفتح الباب أمام مشاركة نسائية أوسع في الاقتصاد الرقمي للمملكة.

      حَنّان حسين

  • تعليق
    صدى
    خطاب الكراهية في السودان يغذي الحرب ويهدد وحدة البلاد

    يتناول المقال انتشار خطاب الكراهية في السودان ودوره في تفاقم الحرب بين الجيش السوداني  وقوات الدعم السريع. ويعرض تحليلات الخبراء والخلفية التاريخية ليوضح كيف أسهم هذا الخطاب في تأجيج العنف وتبرير الجرائم وإضعاف الوحدة الوطنية، كما يقترح سبل مواجهته من خلال العدالة والتعليم ونشر ثقافة السلام.

      سمر سليمان

  • تعليق
    صدى
    السلاح الفلسطيني في لبنان: تحويل الاختبار الأمني إلى سياسة سيادية قابلة للتعميم

    شكّل قرار الحكومة اللبنانية في آب/أغسطس 2025 بحصر السلاح بيد الدولة -ابتداءً من السلاح الفلسطيني في المخيمات- اختباراً جدياً لقدرة لبنان على تحويل الشعار التاريخي إلى سياسة عملية، لكن التجربة سرعان ما كشفت عن تردد سياسي وثغرات اجتماعية .وانقسامات فصائلية، ما يطرح السؤال حول إمكانية اعتمادها نموذجاً لمعالجة ملفات أكثر حساسية كسلاح حزب الله.

      صهيب جوهر

ar footer logo
0